"الكذاب العراقي" الذي ورّط واشنطن باحتلال بلاده غير نادم ويسعى الى العودة رغم مخاطر تصفيته على يد البعثيين
بغداد تحترق
بغداد، لندن - في الوقت الذي يستعد فيه العراقيون الاحتفال غدا الثلاثاء على النطاقين الرسمي والشعبي بانسحاب الجيش الاميركي من المدن واعلان اليوم عيدا وطنيا وعطلة حكومية، تتسلط الاضواء على الشخص الذي ساعدت اكاذيبه حول الملف الكيماوي للنظام السابق في اعطاء ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الذريعة في اجتياح البلاد قبل ستة اعوام والاطاحة بنظام صدام حسين وتثبيت اركان حكم موال الى واشنطن والغرب ودخول البلاد دوامة العنف منذاك. انسل هذا العراقي المدعو رافد أحمد علوان - والمعروف بالرمز الاستخباراتي تحت اسم "كيرفبول"- الى بلاده سرا في آذار (مارس) الماضي، بعد 10 سنوات في المنفى بألمانيا.
ويقول تقرير مفصل نشرته صحيفة "ذي غارديان" اليوم الاثنين كتبه مراسلها في بغداد مارتن شولوف ان "كيرفبول" تحول قبل الغزو الى المصدر الاكثر قيمة لدى وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي أي" حول البرنامج الوهمي العراقي لاسلحة الدمار الشامل.وكما كانت سلسلة اكاذيبه هي القاعدة التي دفعت بالبيت الابيض الى الحرب، فقد انهت لاحقا الحياة المهنية لوزير الخارجية السابق كولين باول ورئيس الـ"سي آي أي" جورج تينيت.
وتم اجبار المسؤوليين على الاعتراف بأنهما توجها الى الحرب جزئيا بالاعتماد على كلمة من متعاون لم تستجوبه أية وكالة اميركية الا بعد عام من سقوط بغداد.
وتدرب "كيرفبول" كمهندس كيماوي وجرى اصطحابه مباشرة من الجامعة الى العمل في قسم تابع لمخابرات صدام حسين يعرف بالشعبة الرابعة والتي كانت تتعامل مع المشاريع المحببة للرئيس السابق. وهذا القدر صحيح. ولكنه كان يضمر ايضا أوهام عظمة: حياة في ارض جديدة مع ثروة ونساء حاسرات الرؤوس وسيارة مرسيدس جديدة.
وبدت بغداد التي عاد اليها في آذار (مارس) غير مألوفة تقريبا. وأقام "كيرفبول" مع ابن شقيقه في شمال شرقي بغداد، وقال له انه يخطط للعودة للاستقرار بشكل دائم من ألمانيا، التي واصلت منحه ملاذا آمنا.
ولم يشاهد الرجل الممتلىء البالغ من العمر 42 عاما ايا من اصدقائه وزملائه القدامى خلال زيارته، كما لم يبد اهتماما بخريجي جامعة بغداد للتكنولوجيا التي ما يزال حرمها يعاني من سلوك طالبها السابق.
وجرى نقل رافد في انحاء العراق من سجون يديرها الاميركيون، اولاً في مطار بغداد ومنه الى معسكر بوكا قرب الحدود الكويتية، وبعدئذ الى خيام في الصحراء بالقرب منه، ثم الى سجن ابو غريب واخيراً الى غرفة صغيرة في احد قصور صدام حسين التي تم احتلالها. وهو يقدر انه استجوب على الاقل 50 مرة، وكان يواجه الاسئلة ذاتها في كل جلسة.
وقد عصبت عيناه وحرم من النوم لايام ثم اغري بفواكه وزيارات عائلية. وكان ذلك هو الروتين الكلاسيكي المتبع في مكافحة التجسس والمصمم لاختراق دفاعات لم يكن لها وجود.
وقال: "قالوا انني وقعت على اتفاق بعدم افشاء معلومات الى اجانب، وهذا صحيح كلياً. كان علينا كلنا ان نفعل ذلك".
واضاف: "انني اعلم الآن ان تاريخ 15 تموز (يوليو) الذي واصلوا الحديث عنه كان تاريخاً قال لهم رافد انه سيكون لحظة مهمة في ما يسمى المنشأة ذات الغرض المزدوج. وسألوني ايضاً عن سيارات الشحن الثلاث التي تحدث عنها".
اعطي رافد 1000 دولار واطلق سراحه في ايلول (سبتمبر). وخلال ثمانية شهور استقال (جورج) تينيت (مدير سي آي ايه) و(وزير الخارجية الاميركي كولن) باول. غير انه مقتنع بانجاز يعزو الفضل في تحقيقه الى رافد، ويقول: "كان من المهم جداً التخلص من صدام. لم اتوقع ابداً ازالته (من الحكم) في العراق".
اذا ما عاد "كيرفبول" فانه يواجه مستقبلاً غير مضمون اطلاقاً في العراق. ذلك ان الميليشيات البعثية ما زالت تعتبره عدواً. ويبدو ان معظم اصدقائه قد تبرأوا منه، وقد تفرق افراد عائلته مع الرياح الاربعة. وتقول زوجته التي هجرها عندما هرب الى المانيا انها لا تريد ان يكون لها اي علاقة به. وبعد معرفة عنوانها والوصول اليها في بغداد تنهدت وهي تحمل ابنها البالغ من العمر ثلاث سنوات وقالت: "كانت حياتي معه كذبة تلو كذبة تلو كذبة".
وسأل ابن شقيقه بشكل متوقع، معتقدا ان صحيفة الـ"ذي غارديان" كانت تعمل على تسهيل الزيارة: "هل انتم هنا للتحدث عن عودة عمي ثانية؟". واضاف: "انه لم يغب لفترة طويلة ونحن نتوقع عودته قريبا".
ولو كان "كيرفبول" توجه الى مكان عمله القريب، وهي شركة سعد الحكومية للاسكان والبناء، لوجد زميله السابق الدكتور عبد السلام جبر على مكتبه. وقد وافق رافد على التحدث للمرة الاولى عن وجوده لمدة ثلاثة اشهر في عهدة "سي آي أي"، والتي يعرف الآن ان سببها هو "كيرفبول"، الرجل الذي عرفه بالكاد ولكنه لم يثق به ابدا.
وبعد شهرين من سقوط بغداد، اقترب رئيس رافد منه واخبره ان مجموعة من الأميركيين يريدون الاجتماع معه. وفي ذلك الوقت، كان الجيش الاميركي يجري مسوحا مكثفة في العراق، بحثا عن ادلة على برنامج الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. وكانوا يبنون قضيتهم استنادا الى اقوال متعاونين عراقيين قاموا بملء الفراغ في الاماكن التي لم يستطع مفتشو الأسلحة التابعين للأمم المتحدة القيام بذلك.
كان هناك حوالي ستة مخبرين ذوي قيمة عالية، استخدمتهم الولايات المتحدة وبريطانيا، ولكن ايا منهم لم يكن اكثر قيمة من "كيرفبول".
وفي الوقت الذي ازدادت فيه كثافة عمليات التفتيش التي تبين انها غير مجدية في النهاية، ظل "كيرفبول" تحت حماية مشغليه الالمان، الذين قدموا تقارير قليلة الى "سي آي أي" خلال فترة التحضير للغزو والاشهر اليائسة بشكل متزايد التي اعقبته.
وكان الرجل متمسكا بقصته. وقدم معلومات فنية في غاية التفصيل عن عدة منشآت في انحاء العراق جرى اخفاؤها على انها مصانع زراعية. وقد عمل رافد في واحد منها، وهو مصنع الحكيم، جنوب غربي بغداد.
وقال رافد: "كانوا يتوقعون العثور على معلومات عن مشاريع التخمير للاسلحة البكتيرية. وكنت رئيس قسم التخمير في الشركة في ذلك الوقت. وانا اعرف بالضبط ما الذي كانت تستخدم لأجله هذه المنشآت، ولم يكن هناك اية اغراض مزدوجة لأي منها".
واضاف: "الأميركيون الذين حققوا معي لم يفهموا بانه اذا كان سيتم البدء بمشروع كهذا، فان ما لا يقل عن 200 شخص سيعرفون عنه، وانه ستكون هناك تقارير فنية وتصميمات تقدم كيميائية وتصميم ميكانيكي وتثبيت، ثم التشغيل. ولكان اي واحد من الموظفين الـ800 في شركة سعد قد كان سيعرف بالأمر".
http://www.alquds.com/node/172395