الخميس، ٤ أكتوبر ٢٠٠٧

تحقيق جريء لصحيفة سعودية عن مآسي العائدين من العراق

«عكاظ» تكشف عن قصص مأساوية لشباب سافروا للجهاد المزعوم
أب توفي بجلطة.. وزوجات تطلقن وترملن.. وأطفال في حكم المشردين
عبدالله العريفج (مكة المكرمة- هاتفيا)
تراجع عشرات الموقوفين السعوديين من العائدين من الأماكن المضطربة عن أفكارهم وأعلنوا ندمهم على ما ألحقوه بعوائلهم وأسرهم من مآسٍ وأضرار نفسية وانسانية واجتماعية جراء سفرهم لتلك الأماكن كالعراق وافغانستان وغيرها بحجة الجهاد في سبيل الله.وكشف دعاة سعوديون النقاب عن قصص مأساوية أسرية ترتبت على سفر الكثير من شباب المملكة الى الأماكن المضطربة في المنطقة كالعراق وافغانستان ولبنان في مخيم نهر البارد الذي اسفرت المواجهات فيه بين قوى الجيش وتنظيم فتح الاسلام عن وقوع 12 قتيلا و9 معتقلين سعوديين على الأقل. عضو لجنة المناصحة بوزارة الداخلية الدكتور محمد يحيى النجيمي أفاد في حديث هاتفي مع «عكـاظ» ان مئات ممن سافروا للعراق وعادوا الى المملكة باتوا نادمين على سفرهم وانخراطهم في تنظيمات مسلحة مشبوهة مرتبطة بتنظيم القاعدة الارهابي بعد ان غرر بهم واستدرجوا الى هناك بحجة الجهاد المزعوم.
مآسٍ وسوابق
وقال ان شابا عشرينيا موقوفا في سجن الحائر تتم مناصحته ضمن عشرات الشبان فقد أباه عندما علم الأخير بسفره للعراق دون علمه فأاصيب الأب «بجلطة» توفي على اثرها بسبب سفر ابنه المفاجئ دون علم مسبق.
وذكر ان رجلا متزوجا من امرأتين ولديه منهما عدد من الابناء سافر للعراق بعدما طلق احداهما وتعرض أبناؤه من الأخرى للتشرد والضياع وأصبح الأبناء يسألون الناس الحاجة لغيابه وافتقارهم انفاقه عليهم.
وذهب الدكتور النجيمي الى أبعد من هذا في كشف حقائق عناصر تنظيم القاعدة من السعوديين مبينا ان من بينهم من كانوا من ارباب السوابق في الاجرام وان بعضا منهم كانوا يتعاطون المخدرات بل ان قادة القاعدة أحلوا الاتجار بالمخدرات وتهريبها وترويجها حتى ينفقوا من مبالغها على عملياتهم الارهابية.
وأشار الى ان بعضا منهم مرضى نفسيون وآخرين يعانون من اضطراب في الشخصية وانفصام.
عصيان الشباب
وكان مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وادارات البحوث العلمية والافتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ قد حذر الشباب من الذهاب الى الخارج بحجة قصد الجهاد في سبيل الله لان الأوضاع مضطربة والأحوال ملتبسة والرايات غير واضحة مشيرا الى انه ترتب على عصيان هؤلاء الشباب لولاتهم وعلمائهم وخروجهم لما يسمى بالجهاد في الخارج العديد من المفاسد العظيمة.
وبين سماحته في كلمة وجهها بعدما لوحظ منذ سنوات خروج بعض الشباب من المملكة الى الخارج قاصدين الجهاد ان هؤلاء الشباب لديهم حماسة لدينهم وغيرة عليه لكنهم لم يبلغوا في العلم مبلغا يميزون به ما بين الحق والباطل فكان هذا سببا لاستدراجهم والايقاع بهم من قبل أطراف مشبوهة لتحقيق أهدافهم المشينة التي أضرت بالاسلام وأهله.
وتأكيدا لما أشار اليه مفتي عام المملكة في تحذيره من الآثار المترتبة على سفر الشباب الى خارج المملكة بدافع الحماس لدينهم والغيرة عليه روى عضو لجنة المناصحة بوزارة الداخلية تجربته مع شاب اُستدرج للعراق بعدما غُرر به بفتاوى ذيلت بأختام مزورة لعلماء كبار مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح اللحيدان والداعية الشيخ عبدالله بن جبرين وغيرهما من علماء المملكة المعتبرين.. وقال ان الشاب الموقوف ذكر له انه عاد من العراق الى المملكة ليجد والده قد توفي بعدما تعرض لارتفاع حاد في السكر ووالدته مريضة وان عائلته كانت تتكفف الناس من الفقر والحاجة والجوع بسبب غيابه وسفره للعراق حتى ان أخوته تركوا المدارس وانهدم البيت بسبب فعلته وهو الآن أصبح نادماً على فعلته وما لقيه في العراق من مشاكل وضياع نقوده.
وكشف قاضي محكمة التمييز بالرياض الشيخ ابراهيم بن عبدالله الخضيري في حديث هاتفي مع «عكاظ» ان سفر الشباب للأماكن المضطربة تحت غطاء الجهاد جعل كثيراً من الأسر في مآسٍ لا يعلم مداها الا الله وان صغارا كانوا عرضة للضياع والتسول وابداء الحاجة للناس نتيجة غياب آبائهم أو إخوانهم ممن كانوا يتولونهم بالرعاية
وتحدث الشيخ الخضيري عن قصة تخص ابن اخيه الشاب خالد بن محمد الخضيري حيث توجه لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء رحمه الله قبل نحو عشرين عاما وأبلغه برغبته للجهاد في افغانستان فقال له الشيخ رحمه الله «الافغان ليسوا على وفاق وسوف ينجم عن قتالهم للروس فتنة داخلية وأنت لن تتعلم وتحتاج الى ان تكون كذلك والأمة بحاجتك كعالم.. الافغان لا ينقصهم رجال أو سلاح وانما ينقصهم مال ونحن نتمنى نصرتهم لانهم مسلمون وليس هناك أية مصلحة من أن تذهب هناك لتقاتل».. واضاف: استنكرت من الشيخ ابن عثيمين هذا الكلام لان الجهاد في افغانستان كان في أوج سمعته العالية والناس في أوج تعاطفهم وعلى كافة المستويات وقد عجبت من نظرة الشيخ رحمه الله حيث قال: معروف ان الافغان قبائل وبينهم فتن ومحن ونتيجة طبيعية اذا انتصروا ستكون بينهم فتن داخلية وقد وقع ما قاله رحمه الله.
استجداء المحسنين
وقال قاضي محكمة التمييز بالرياض من واقع تجربة ومعرفة بأحوال بعض الأسر فان هناك مسألة خطيرة حيث تحولت كثير من أسر الشباب السعوديين ممن سافروا للأماكن المضطربة خارج المملكة الى أسر فقيرة بدل ان كانت منتجة وتنفق وتبذل الخير تحولت الى أسر فقيرة تستجدي المحسنين لغياب أبنائها فضلا على ان هؤلاء الأبناء كانت لهم أنشطة دعوية جبارة ونافعة وقد انقطع هذا الخير بسبب غيابهم وسفرهم تحت غطاء ما يسمى بالجهاد.
وأكد المشايخ والدعاة على ضرورة استفادة الشباب وأبناء الأمة مما تضمنته كلمة مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء وادارات البحوث العلمية والافتاء التي حذرت من سفر الشباب للأماكن المضطربة خارج المملكة وما ينطوي عليه هذا السلوك من أخطار محدقة بشباب الأمة.
هجمات شرسة
وقال عضو مجلس الشورى والمستشار القضائي بوزارة العدل الشيخ عبدالمحسن بن ناصر العبيكان: من المؤسف جدا في هذا الزمن أن الناس أصبحوا يحكمون العاطفة على الدين وليس العكس لمجرد وجود الحماس والتعاطف مع قضايا المسلمين والمظلومين فيبدأون بعمل أي شيء ولو كان مخالفا للمصالح العظمى ويتسبب في وقوع مضار ومفاسد أعظم بكثير مما يظن أنهم قاموا به لأجل نصرة الاسلام والمسلمين.
وأكد أن ما حدث ويحدث على الاسلام والمسلمين من هجمات شرسة واحتلال وأذى وتسلط على مصالح المسلمين وتدخل في شؤونهم ما حدث الا بسبب الجهّال الذين قاموا بأعمال ظنوا أن فيها نصرة للاسلام والمسلمين بينما هي لو فرض أن فيها مصلحة أو خيرا فقد تسببت في أضرار ومفاسد تربو كثيرا على تلك المصالح المزعومة.. مشيرا الى ضرورة أن ينتظم الشباب خلف العلماء الراسخين.. ذلك أن النظرة الدينية ليست نظرة سطحية كما يفهمها بعض المتفيقهين الذين ينظرون بسطحية للأمور خاصة أمور الجهاد والمتعلق منها بالمصالح العامة وهذا خطر كبير جدا.
وأبان الشيخ العبيكان ان المشكلة في العراق وأفغانستان أكبر من الفهم في حلها والحلول ليست في ارسال الشباب الذين تحتويهم التنظيمات التكفيرية ويكونون طعمة للتفجير والتدمير والهلاك مؤكدا أن الأمر خطير ويحتاج الى وعي وفهم كبير لدى الشباب بحيث يسير الناس في طريق واحد منظم بحيث يجتمع فقهاء المسلمين الحقيقيون لدراسة الأمر.
هبة الخالق
وقال قاضي محكمة التمييز بالرياض الشيخ ابراهيم الخضيري ان هناك ثلاث حقائق لا بد ان توضح لهؤلاء الشباب ممن لديهم الحماسة ورغبة السفر للاماكن المضطربة بحجة ما يسمى الجهاد وهي أن حياة الانسان وموته ليست ملكا له بل هي هبة من الله عز وجل وله حق الحياة ولا يحق له أن يلقي بنفسه الى التهلكة لقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ولقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة} ولقوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم}.. وأضاف: الشريعة الاسلامية تعطشت الى الحفاظ على حياة الانسان سواء مسلما أو غير مسلم وكثير من الشباب يظن أن بامكانه أن يبذل حياته بما يريد وانه اذا مل من الدنيا فان المخرج الوحيد هو أن يبحث عن الموت وهذا ليس من الاسلام في شيء لأن الجهاد في سبيل الله له ضوابطه وأصوله الشرعية المعروفة ولابد من تحقق ضوابطه.
وأشار الى أن هناك حرباً فكرية ارهابية تمارس على أهل السنة والجماعة للزج بشبابهم لأنهم عنصر الحياة وعصبها ولهذا فان تركيز الجهات المنحرفة على شباب المسلمين في محاولة لجرهم الى البلاد المضطربة لتصطادهم وتستخدمهم مطية للاعمال التفجيرية والانتحارية التي تتم دون رؤية او تخطيط ودون أن يدري هو بها ليكون ضحية لهذا العمل الجبان.
ورأى الخضيري أن دعاة المسلمين في العالم الاسلامي مقصرون في استيعاب هؤلاء الشباب واحتوائهم الى مجالس العلم والتربية لتعليمهم العلم الشرعي الأصيل وتعظيم حق الأسرة والأبوين وانه أهم من الجهاد في كثير من حالاته لحديث النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاءه ويريد أن يجاهد فقال له :«أحي والداك فقال نعم.. قال كيف تركتهما.. فقال جئت وهما يبكيان.. فقال: ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما».
جهاد محرم
وفي سياق حديثه عن الآثار المترتبة على سفر شباب المملكة الى الأماكن المضطربة قال الدكتور محمد يحيى النجيمي: من الأخطار الكبيرة تلك التي تلحق بدينهم أولا وقبل كل شيء دون أن تكون لديهم فتوى شرعية أو اذن من ولي الأمر وفي هذا اثم ولم يأذن لهم والدوهم وهذا اثم اخر.. وأضاف: أن هؤلاء الشباب أساءوا الى المسلمين في تلك الأماكن وسفكوا الدماء وارتكبوا جرائم وفي هذا كبيرة من كبائر الذنوب فضلا عن النساء اللاتي ترملن بسبب ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم قدم رعاية الأسرة على الجهاد في سبيل الله وهذا الجهاد جهاد صحيح فكيف هو حال الجهاد غير الصحيح.
وأشار الى أن رجلا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يجاهد فقال له الرسول: هل والداك حي أحدهما أو كلاهما فقال بل كلاهما فقال له الرسول: ففيهما فجاهد.. مبينا أن العلماء اتفقوا على أن اذن الوالدين واجب وان الجهاد يحرم دون اذن ولي الأمر.
ويخضع مئات الموقوفين على خلفية الأحداث الارهابية المؤسفة التي شهدتها المملكة من بينهم عائدون من البلاد المضطربة الى برنامج نفسي وشرعي تأهيلي شامل من قبل لجنة المناصحة بوزارة الداخلية يهدف الى اعادتهم الى الطريق المستقيم باعتبارهم مواطنين ضلوا الطريق ومن واجب السلطات تصحيح أفكارهم ومفاهيمهم حتى يعودوا أعضاء نافعين في مجتمعهم.

ليست هناك تعليقات: